فخر الدين الرازي
48
تفسير الرازي
المسألة الثانية : ظاهر الآية يقتضي كون الأرض بعد السماء ، وقوله : في حم السجدة ، * ( ثم استوى إلى السماء ) * ( فصلت : 11 ) يقتضي كون السماء بعد الأرض ، وقد ذكرنا هذه المسألة في سورة البقرة في تفسير قوله : * ( ثم استوى إلى السماء ) * ( البقرة : 29 ) ولا بأس بأن نعيد بعض تلك الوجوه أحدها : أن الله تعالى خلق الأرض أولاً ثم خلق السماء ثانياً ثم دحى الأرض أي بسطها ثالثاً ، وذلك لأنها كانت أولاً كالكرة المجتمعة ، ثم إن الله تعالى مدها وبسطها ، فإن قيل الدلائل الاعتبارية دلت على أن الأرض الآن كرة أيضاً ، وإشكال آخر وهو أن الجسم العظيم يكون ظاهره كالسطح المستوي ، فيستحيل أن يكون هذا الجسم مخلوقاً ولا يكون ظاهره مدحواً مبسوطاً وثانيها : أن لا يكون معنى قوله * ( دحاها ) * : مجرد البسط ، بل يكون المراد أنه بسطها بسطاً مهيأ لنبات الأقوات وهذا هو الذي بينه بقوله : * ( أخرج منها ماءها ومرعاها ) * ( النازعات : 31 ) وذلك لأن هذا الاستعداد لا يحصل للأرض إلا بعد وجود السماء فإن الأرض كالأم والسماء كالأب ، وما لم يحصلا لم تتولد أولاً المعادن والنباتات والحيوانات وثالثها : أن يكون قوله : * ( والأرض بعد ذلك ) * أي مع ذلك كقوله : * ( عتل بعد ذلك زنيم ) * ( القلم : 13 ) أي مع ذلك ، وقولك للرجل أنت كذا وكذا ثم أنت بعدها كذا لا تريد به الترتيب ، وقال تعالى : * ( فك رقبة ، أو إطعام في يوم ذي مسغبة ) * إلى قوله : * ( ثم كان من الذين آمنوا ) * ( البلد : 17 ) والمعنى وكان مع هذا من أهل الإيمان بالله ، فهذا تقرير ما نقل عن ابن عباس ومجاهد والسدي وابن جريج أنهم قالوا في قوله : * ( والأرض بعد ذلك دحاها ) * أي مع ذلك دحاها . المسألة الثالثة : لما ثبت أن الله تعالى خلق الأرض أولاً ثم خلق السماء ثانياً ، ثم دحى الأرض بعد ذلك ثالثاً ، ذكروا في تقدير تلك الأزمنة وجوهاً . روي عن عبد الله بن عمر " خلق الله البيت قبل الأرض بألفي سنة ، ومنه دحيت الأرض " واعلم أن الرجوع في أمثال هذه الأشياء إلى كتب الحديث أولى . * ( أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا ) * . الصفة الثانية : قوله تعالى : * ( أخرج منها ماءها ومرعاها ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : ماؤها عيونها المتفجرة بالماء ومرعاها رعيها ، وهو في الأصل موضع الرعي ، ونصب الأرض والجبال بإضمار دحا وأرسى على شريطة التفسير ، وقرأهما الحسن مرفوعين على الابتداء ، فإن قيل : هلا أدخل حرف العطف على أخرج قلنا لوجهين ؟ الأول : أن يكون معنى دحاها بسطها ومهدها للسكنى ، ثم فسر التمهيد بما لا بد منه في تأتي سكناها من تسوية أمر المشارب والمآكل وإمكان القرار عليها بإخراج الماء والمرعى وإرساء الجبال وإثباتها أوتاداً لها حتى تستقر ويستقر عليها والثاني : أن يكون * ( أخرج ) * حالاً ، والتقدير والأرض بعد ذلك دحاها حال ما أخرج منها ماء ومرعاها .